مقابلة مع المدافعة سرور عبد الكريم هلال الحسيني

 

العملُ في مجالِ حقوقِ الإنسان يتطلبُ أساساً قوياً يستندُ الى الإيمانِ العميق بقضايا  كلِّ شعوبِ العالم، ولا يقتصرُ على ذلك بل يتعداه لمواجهةِ انتهاكاتٍ جسيمة تتعرضُ لها المتخصصاتُ والمهتماتُ في هذا المجالِ قد تهددُ حياتَهن إلى مصادرةِ كافةِ حقوقِهن وتقييدِ حرياتهن، لا سيما في المجتمعاتِ العربية، ومن ضمنِها العراق حيث كان لنا لقاءٌ مع ناشطةٍ مدنيةٍ متطوعةٍ مدافعةٍ عن حقوقِ الإنسانِ تعرضت للتهديدِ والاتهاماتِ من قبلِ محافظِ نينوى السابق وقد برأتها المحكمةُ.

نتعرَّفُ عليها في هذه السطور.

 

بطاقةٌ تعريفية

اسمي سرور عبد الكريم هلال الحسيني.

عمري ٢٤ سنة.

موظفةٌ لدى دائرةِ صحةِ نينوى.

حصلتُ على عدةِ شهاداتٍ تكريميةٍ ودروعٍ من أكثر من جهةٍ أفتخرُ بها طبعا.

 

كيف انطلقتِ للعملِ التطوعي وما الذي دفعكِ لذلك؟

السببُ الذي جعلني  أكوِّنُ فريقاً هو باختصارٍ بسببِ قصتي التي سأُطلعُكِ عليها.

قُصِفت دارُنا وأُصيبت عائلتي واسُتشهدت أختي أثناءَ معاركَ تحريرِ مدينةِ الموصل وكنتُ قد هربتُ قبلَهم بثلاثِة أيامٍ إلى الجانبِ الأيسرِ وتحررتُ. ولكن حين سمعتُ بوفاتِها عدتُ أدراجي إلى الموصل حيثُ المعارك لكي أستطيعَ إنقاذَ أهلي.  وصلتُ بعد عناءٍ كبيرٍ وأخرجتُ أهلي ونقلتُهم إلى الطبابةِ العسكريةِ ليتلقوا العلاجَ الأولي وهناك شاهدتُ العديدَ من الجرحى والمصابين المدنيين والعسكريين والنساءِ الأطفالِ. وكان هناك مشكلةٌ في كيفيةِ نقلِ أهلي، فطلبتُ من الجنودِ المساعدةَ ووافقوا باستثناء ما يتعلقُ بأختي التي كان يجبُ أن تُدفنَ في حديقةٍ، وبعدَ انتهاءِ المعاركِ نقومُ بنقلِ الجثةِ إلى مقبرةٍ، ولكننا رفضنا وتوسلتُ إليهم أن آخذَ أختي معنا لندفنها في مقبرة، فوافقوا ثم عرضوا علي أن أعملَ معهم لأساعدَهم في إنقاذِ النساء لأنه لا يوجدُ ممرضةُ. وافقتُ،  ولكنهم كانوا واثقين أنني لن آتي. أخرجونا جميعاً بسيارةِ إسعافٍ إلى الجانب الأيسر. وعلى أساسِ ردِّ الجميلِ والالتزامِ بالكلمةِ التي أعطيتُها، ذهبتُ بعد ثلاثةِ أيامٍ إلى الطبابةِ وتعجَّبَ كلُّ من فيها كيفَ وفيتُ بوعدي وأتيتُ كمتطوعةٍ لأُنقذَ الجرحى. وبعدها باشرتُ في الدوامِ معهم، في البدايةِ كردٍ للجميل، ولكن فيما بعد أدمنتُ  هذا العمل الذي من خلاله أُنقذَ الجرحى وأساعدُ الناسَ. صحيحٌ أن مهمتي  كانت خطرةً وتواجدي في مواقعِ المعاركِ وفي مكانٍ غير آمنٍ على حياتي، ولكني لم أكن أهتم. إنقاذُ الناس أصبحَ واجباً بالنسبة إلي والانتقامُ من “داعش” بطريقةٍ إنسانية لمقتل شقيقتي. نعم، أن أُنقذَ نفساً، هذا أكبرُ انتقامٍ منهم.

وكان يؤلمني حين تأتي النساءُ مصاباتٍ ويرجونني ألا يرى عوراتِهن رجلٌ أو جندي ولهذا السبب أيضاً استمريتُ بالعملِ التطوعي الإنساني. .

استمر عملي حوالي خمسةِ أشهر إلى أن اكتملَ تحريرُ الجانبِ الأيمنِ بالكامل حتى أنني شاركتهم بالتقدمِ راجلةً في معاركِ  المدينةِ القديمة.

ولكنكم قمتم بفتحِ دوراتٍ للإسعافاتِ الأولية في المناطقِ المتأثرةِ بالنزاع؟

أثناءَ إنقاذي للجرحى أدركتُ أن ليس لديهم معلومات كافية حولَ الإسعافاتِ الأولية. شاهتُ جهلاً كبيراً حولها من الناس، رغمَ أنها أكبرُ احتياجاتِنا، خاصةً عندما توفي أطفالٌ بإصاباتٍ بسيطةٍ ولكن نتيجةَ إسعافٍ خاطئ. فقررتُ تعليمَهم وفعلاً بدأتُ بأيسرِ الموصلِ وأدربُهم مجاناً وأصبحَ الناسُ يأتون إلى دوراتي وبكثرة، وأحبوا الموضوعَ، علَّمتُهم كل ما هو مهمٌ لإنقاذِ الناس. وكان والدي داعماً لي  وساندني جداً لعملِ الخير.

ونظراً للحاجةِ أيضاً، وبعد أن طلبوا منا، ذهبتُ إلى منطقةِ  الكيارة جنوب الموصل مع أحد الذين دربتُهم وتخرَّج من الأوائل وقرر أن يساعدني، وخرَّجنا هناك 400 مسعفٍ ومسعفةٍ وأصبحوا متدربين. بعدها عدنا إلى أيمن الموصل وكذلك درَّبنا في بعضِ مدارسِ الأيمن.

ثم ذهبنا من أجلِ أن نلتقطَ صوراً في المنطقةِ القديمةِ فأذهلني منظرُ الجثثِ في كل مكان وعددُها لا يُحصى فأخافَني أن تتعرضَ مدينتي مرة أخرى للوباء بسببِ الجثث، فذهبتُ إلى الدوائرِ الحكومية وناشدتهم كثيراً من أجلِ انتشالها. لم نحصلْ على ردٍ إيجابي سوى من البلديةِ التي كانت كوادرُها قليلةً جداً،  فقررتُ مساعدتَهم وشكلتُ فريقاً تطوعياً مكوناً من خمسةِ أشخاصٍ في البداية وبدأنا ننتشلُ الجثثَ بعد استحصالِنا الموافقاتِ الرسمية. وكبرَ فريقُنا يوماً بعد يوم حتى أصبحَ عددُنا أكثر من 30 متطوعاً. وواظبنا على  انتشالِ الجثثِ رغمَ الرائحةِ الكريهةِ والخطرِ والمتفجراتِ. لم نفكر بكل هذا، فكرنا فقط في كيفيةِ تنظيفِ مدينتنا وإننا نساهمُ في عودةِ الناس إلى منازلِهم بعملنا هذا. وفعلاً أكملنا، وساعدنا البلدية وبعدها انضمَّ الطبُ العدلي وأصبحَ عملُنا مشتركاً معهم ومع البلدية. وانتشلنا خلال خمسةِ  شهور تقريباً أكثرَ من 1000 جثة. وخلال ذلك كنا نداومُ أيضاً في دائرةِ أحوالِ الموصلِ الجنسيةِ لغرضِ مساعدةِ الموظفين في توزيعِ الهوياتِ للناسِ بسببِ الزخمِ والأزمةِ في ذلك الوقت، وساعدناهم إلى أن افتُتحَ فرعٌ ثانٍ في الأيمن وخفت الأزمة.

بعدها أحببنا العملَ كثيراً وأصبحنا مدركينَ أننا يجبُ أن نتحملَ المسؤولية وأصبحَ لدينا الكثيرُ من الأعمالِ الإنسانية مثل تنظيفِ وتأهيلِ مصنعِ النسيجِ في الموصل كي يعودَ للعمل ودامَ تنظيفُه ثلاثةَ أيام.

وكذلك استجبنا لمناشدةِ إعداديةِ تمريضِ الموصلِ للبناتِ وشكواها من أنَّ الفتيات لا يتدربن عملياً بسببِ عدمِ وجودِ عدةِ طبيةٍ للتدريبِ لأن إعداديتَهن قُصفَت، فقمنا بالتبرعِ بعدةٍ طبيةٍ متكاملةٍ لهن.

كذلك تبرعنا مؤخراً في تغليفِ (مراتبِ الأسِّرة) في مستشفى الجمهوري والبتول لأن الدواشك الموجودة من دون أغطيةٍ، مما تتسبب في تلوثٍ ملحوظٍ فقمنا بتغليفها جميعا.

كذلك تنظيفُ المستشفى وتوعيةُ الناس وغيرها من الأمورِ التي لم أذكرها حتى لا أطيلَ الكلامَ.

والآن يضمُ فريقي 40 متطوعاً في الموصل وقمنا بإنشاءِ فريقٍ جديد في ديالى جلولاء ويسيرون على مسارِنا.

وخلال انتشالِنا للجثث صورتنا عدةُ قنواتٍ ووكالاتٍ عربيةٍ وأجنبية من التي زارت الموصل واستضافوني بعدَ التصويرِ كناشطةٍ تقومُ بجمعِ الجثث. وتفاجأت بوجودِ محافظ نينوى ونائبةٍ معه ومتطوعةٍ أخرى معي. وكانت أول مرةٍ ألتقي به، ولكنه فوراً كذَّبنا وقال إن الموصل ليس فيها جثثٌ مما أدى إلى مجادلةٍ كبيرة بيننا انتهت بتهديدي بالاعتقال من نوفل العاكوب، محافظ نينوى. وتم إيقافُنا عن العملِ ومَنعُ دخولِنا إلى المنطقةِ القديمة وتمَّ استدعاؤنا في قيادة عمليات نينوى وتمت مساءلتُنا وتأكدوا أننا بريئون وأن نيتَنا إنسانيةٌ لاغير، وكذلك تمَّ استدعاؤنا إلى قائم مقامية الموصل عن طريق زهير الأعرجي وأُخذت إفادتُنا. ولكني فوجئتُ بعد ذلك أن هناك دعوى ضدي بعد إخباري بها من قِبلِ مركزِ شرطةِ الرشيدية، وأنَّ نوفل عاكوب رفعَها ضدي بشأنِ العملِ بدونِ موافقاتٍ رسميةٍ، ولكني أمتلكُ موافقاتٍ، مما جعلني مطمئنةً. وحضرتُ الجلسةَ الأولى للمحكمةِ وخرجتُ بكفالةِ ٥ ملايين دينار عراقي كفلَني بها أحدُ متطوعي فريقي، وتحولتُ إلى محكمةِ الجنحِ في الحمدانية في الشهر الثاني من ٢٠١٩ وذهبتُ إلى المحكمةِ وأُجلت الجلسةُ إلى ١٢  الشهرِ الخامس، وذهبتُ إلى المحكمةِ على أملِ أن يكونَ القضاءُ منصفاً لي، ولكنه كانَ أكثرَ من ذلك، تفهمَ القاضي والمدعيُ العام قدرَ  إنسانيتنا  وعِلمَ أن ما قمنا به  الغايةُ منه حمايةُ المدينةِ وأهلِها فصدرَ قرارُ براءتي والإفراجُ عني وغلقُ القضية.

السببُ الذي جعلني أول امرأةٍ تؤسسُ فريقاً هو محافظتي المنكوبةُ وحاجةُ أهلِها للمساندة.

 

سؤال: ماهي أبرزُ التهمِ التي تم توجيهُها إليك ولفريقكِ والمضايقاتِ التي تعرضتِ لها؟

المضايقاتُ التي تعرضتُ لها والتهم: 

انو انتِ سرقتِ ممتلكات الجثث

لكن لا توجد ممتلكاتٌ شخصية ونحن لم نكن لوحدنا لكي نُتهَمَ  بسرقتِها، كنا برفقةِ القواتِ الأمنية ودائرةِ البلدية، وبدأ عملُنا بعد حوالي سنةٍ على التحرير.

كم  كانَ عددُ الجثثِ التي تمَّ دفنُها؟

لا يوجدُ عددٌ حقيقي ولكن تقريبيٌ لأن أغلبَ الجثثِ أشلاءٌ فيصعُبُ عدُّها، لكن انتشلنا ما يقارِبُ ألفَ جثةٍ.

وما هي  الاتهاماتُ التي وُجِهت لكِ من الحكومةِ المحليةِ أو افرادِ المجتمع

من التهمِ التي سمعتُها أن أهلي دواعشٌ أو أخي داعشي، ومن مثلِ هذة الاتهامات المشابهة.     

 

كلُّ قضيةٍ لايستطيعونَ الردَّ عليها اليوم يتهمون الناسَ بأنهم دواعشٌ. زوجي معي وهو أحدُ أعضاءِ الفريق وأخوتي صفاء ونورس، وليسَ لدي أخٌ يدعى أحمد، وإن كانوا دواعشَ فعلاً لكانَ تمَّ الإبلاغُ عنهم أو حبسُهم.  وأنا أمثلُ نفسي وإنسانيتي وأعمالي ولا أمثلُ أعمالَ إخوتي، هذا غيرُ عقلاني.

كيف تنظرين لفريقِك اليوم

فريقي رائعٌ جداً، وكلُّ الفرقِ التطوعيةِ رائعةٌ، وهي تمثلُ عصبَ الحياةِ لنينوى اليوم وساهمت مساهمةً كبرى في إعادةِ الحياة.

 

كيف تواجهين الانتقاداتِ  من حولك كونكِ مدافعةٌ عن حقوقِ الإنسانِ ومتطوعةٌ في مجتمعٍ خرجَ للتو من نزاعٍ  متطرف ؟

 

لكلِّ شخصٍ ناجحٍ أعداءٌ ومنتقدون وأنا لا أهتمُ لأن أضعافَهم معي ويقدرون نجاحي. أما عن المنتقدين، فإنهم لم يفعلوا ربعَ ما قمتُ به فلا أهتمُ لهم.

 

كلمةٌ أخيرةٌ تحبين أن يسمعَها العالمُ

الكلمةُ التي أحبُ أن أوجهَها هي أنه يجبُ على كل شخصٍ ألا يقبلَ بفعلِ الأشياءِ الخاطئة،  سواء كان رجلاً أو امرأة ولا يرضى أن يعيشَ جباناً، ويقفَ بوجه المتعدي مهما كانَ لأنَّ حفظَ الكرامةِ أهمُّ من كلِّ شيء.

وأحبُ أن أوجهَ رسالةً إلى النساءِ بأن يكنَّ قويات وأن يعلمنَ أن أي عملٍ مهما كان ليس حكراً على الرجالِ، ويمكنُ أن نُبدعَ به أيضاً وأن نكونَ مفخرةً لأهالينا. فقط يجب آن نتبعَ أحلامَنا ونحقَقها بإرادتِنا وعزمنا  وأن نبنيَ ثقةً جبارةً بيننا وبين أنفسِنا أولاً ثم أهلنا، ثقة يصعبُ هدمَها ليكونوا لنا العونَ والسند.

ذكرتِ السندَ  من أكثر من شخصٍ التمستِ منه العونَ والسند؟

مَن كان يساندُني بالعملِ والدي رحمُه الله الذي بنى بداخلي ثقةً كبيرةً وشجاعةً وعلَّمني أنه مهما كانت الصعابُ، أُكمِلُ الطريقَ وبفخرٍ وأستمرُ رغمَ كلِّ الصعابِ.

وكذلك عائلتي وزوجي وأصدقائي الذين كانوا معي دائما.

هناك الكثيرون ممن ساندوني عندما تمَّ إعلانُ قضيتي في آخرِ جلسةٍ لها، وبينهم منظماتُ حقوقِ الإنسان والمؤسساتُ التي تدافعُ عن حقوقِ المرأِة وغيرهم كثرٌ.

انتم كفريقٍ، هل ما زلتُم بنفسِ الحماسِ والهمة؟

لا، ليسَ بنفسِ الحماسِ صراحةً بعد ما تعرضتُ له وفريقي. يصعبُ علينا أن نثقَ مجدداً، ولكننا تعاهدنا على أن نكونَ سنداً لمحافظتنا متى ما احتاجُ الوضعُ للتدخلِ، أو لاسامح الله، تعرضت لأزمةٍ، حينها سنكونُ أول المتطوعين ونفعلُ ما بوسعنا.

 

حاورَتها

سناء كريم الطائي.

No Comments Yet

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اشتركي في نشرتنا