السودان: اعتقال أكثر من ٦٠ مدافعة عن حقوق الإنسان

ما زالتِ الاحتجاجاتُ  في السودان مستمرةً. فمنذ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٨خرجَ الناسُ إلى الشوارعِ في مناطقَ مختلفة منَ البلادِ للاحتجاجِ على التدهورِ السريعِ للأوضاعِ الإقتصاديةِ والإجتماعية. ولا تزالُ التحركاتُ السلميةُ مستمرةً ويحاولُ النظامُ السوداني إخمادَ الحراكِ المتنامي، ذلك أنَّ السلطات جمّعت جهودَها لاستخدامِ قواتٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ مختلفة، بما في ذلك شرطة مكافحةِ الشغبِ وجهاز الأمنِ الوطني والمخابرات (NISS) لإسكاتِ المُحتجاتِ،  ولجأت إلى القواتِ المسلحة لمواجهةِ المحتجاتِ والمحتجين السلميين.فاستُخدم العنفُ المفرط والرصاص الحي والمطاطي والغازُ المسيل للدموع وغير ذلك من الأسلحة والأدوات. كما حجبت السلطاتُ خدمةَ الإنترنتِ بهدفِ حصرِ التحركاتِ وعدم انتشارها وامتدادها. وفي هذا السياق، قال أنطونيو غوتيريس، الأمينُ العام للأممِ المتحدة، إنه يشعرُ بالقلقِ مِنَ القمعِ الدموي في السودان ودعا حكومةَ الخرطوم إلى التحقيقِ في الوفياتِ خلالَ الاحتجاجاتِ الجاريةِ في جميعِ أنحاءِ البلاد.

وتُشاركُ المدافعاتُ عن حقوقِ الإنسانِ في قيادةِ هذه الحراكاتِ، ولعل دورَهنَّ المهمَ والحيويَ  يفسِّرُ استهدافَهنَّ بشكلٍ عنيفٍ ومركّزٍ مِنْ قِبلِ السلطاتِ السودانية، إذ اعتُقلت نحو ٦٠ مدافعة عن حقوقِ الإنسان في شهر، وإن يكن بعضُهن أُطلِقَ، مع الاستمرارِ في احتجازِ أكثرَ من 16 مدافعة عن حقوقِ الإنسان بينهن: رئيستا مبادرة “لا لقهر النساء” د. إحسان فقيري واتحاد النساء السوداني عديلة الزيبق و د. آمال جبرالله والمحاميات حنان نور وهنادي فضل وسامية أرقاوي وأماني عثمان، إلى عددٍ من الصحافيات والإعلاميات، والمدافعات عن حقوق الإنسان سمية إسحق وانتصار وأماني ادريس اللاتي اخترنَ المجازفةَ بحياتهن والمشاركةَ سلمياً في التحركاتِ والاحتجاجاتِ في مناطقهن. وسبعٌ منَ المدافعاتِ المعتقلاتِ بحاجة إلى مساعداتٍ طبيةٍ عاجلة. كما أوقفت السلطاتُ الطبيبةَ والمدافعة هبة عمر ابراهيم في ١٣ كانون الثاني/يناير وهي تتعرضُ لضغطٍ مباشرٍ منْ عناصرِ الشرطةِ للكشفِ عن أسماءِ عددٍ من المدافعاتِ والمدافعين في الحقلِ الطبي، وخصوصاً أعضاء تجمع المهنيين، مما يضعُها في موقفٍ حَرجٍ ومقلقٍ وخطير. كما تعرضت المدافعة زينب بدرالدين محمد للتهديد عبر الهاتف من احد منسوبي جهاز الامن. 

وتستخدمُ السلطاتُ تكتيكاتٍ مختلفة، فهي أطلقت  بعضَ المدافعاتِ لمدةٍ زمنيةٍ قصيرة (ما يقاربُ العشرَ ساعاتٍ كحدٍ أقصى) لتعاوِدَ اعتقالهن ثانِيةً أو احتجازهن لساعتينِ أو أكثر بهدفِ ترهيبِهن وتهديدهن. بالإضافة إلى اعتقالِ أحدِ أفرادِ الأُسرةِ أو المقربينَ كرهائن للضغطِ على المدافعات. كما هددتِ الشرطةُ السودانيةُ بقتلِ مدافعةٍ إذا شاركت في الاحتجاجاتِ. واستُهدفت المستشفياتُ ومقار المنظماتِ وصولاً إلى منازلِ المدافعاتِ التي قُصفَت بقنابلِ الغاز.

تحاولُ السلطاتُ السودانيةُ عرقلةَ عملِ المدافعاتِ عن حقوقِ الإنسان بشتّى الطرق، ويبدو أنَّ الهدفَ الأساسي الحالي للنظام منعهن من التواجدِ في التحركاتِ والمساحاتِ الاحتجاجية، خوفاً من تأثيرِهن. وهذا دليلٌ على الاستهدافِ المستمرِ الدقيقِ لهن منذ احتجاجات كانون الثاني/يناير ٢٠١٨. ففي مثل هذا الوقتِ منَ العام الماضي اعتُقلَت ٣٠ مدافعة عن حقوق الإنسان، بعضُهنَّ إلى اليوم خلفَ القضبان، وخاصةً المحاميات والصحافيات والمدافعات اللاتي عملنَ على توثيقِ الانتهاكاتِ والدفاعِ عن حقوقِ المعتقلاتِ والمعتقلين.

يرى “التحالفُ الإقليمي للمدافعاتِ عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” أنَّ الوضعَ مقلقٌ للغاية في السودان. فالسلطاتُ السودانية أصلاً معاديةٌ بشكلٍ عنيفٍ للمدافعات وتواجدهن في الفضاءِ العام. وهي وضعت نظاماً كاملاً متمثلاً بجهازِ النظامِ العامِ لتقييدِ حركةِ النساءِ وعرقلةِ عمل المدافعاتِ بدفعهنَّ إلى الانزواءِ والابتعادِ عن المساحاتِ النضالية. قدرةُ المدافعاتِ عن حقوقِ الإنسانِ في السودان مقيدةٌ، فهنَّ لا يستطعنَ الوصولَ إلى المساعداتِ القانونيةِ والنفسيةِ والطبية، لا سيما في ظلِّ ظروفِ الاحتجاز. وهنَّ يتعرضنَ بشكلٍ متكررٍ لسوءِ المعاملةِ منْ قِبلِ جهازِ الأمنِ الوطني والمخابرات السودانية في المُعتَقلات. كما أنه خلال احتجازهن غالباً ما يتمُ التحكمُ في حساباتِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعي. أضِفْ أنَّ المدافعاتِ يتعرضنَ لحملةِ تشهيرٍ عنيفة، بحيث يُتَّهمنَ بالتعاملِ مع أجهزةٍ استخباراتيةٍ خارجيةٍ بهدفِ زعزعةِ الأمنِ الداخلي.

في ظل هذه الظروفِ وموجاتِ العنفِ والاعتقال للمدافعات، يدينُ التحالفُ الإقليمي وحشيةَ السلطاتِ السودانية وعدمَ التزامِها بحقوقِ الإنسانِ واستمرارَها في هجمتِها على المدافعات؛ ويدعوها إلى وقفِ العنف والإفراجِ الفوري وغير المشروطِ عن كلِّ المدافعاتِ عن حقوق الإنسان اللاتي احتجزنَ بشكل تعسفي إذ أنه لم تُوجَه أي تهمٍ إليهن حتى اللحظة. كما يحضُ التحالفَ الإقليميَ السلطات على وضعِ حدٍ للقمعِ المنهجي للمدافعاتِ في السودان.

ويتضامنُ التحالف الإقليمي مع المدافعاتِ عن حقوق الإنسانِ ويحييهن على وقوفهن في وجهِ حملاتِ العنفِ المشنة ضدهن؛ ويؤكدُ أنه، كالعالمِ كله، يستلهمُ من مقاومتهن للقمعِ وتمسكهنَّ بنضالهن بشغفٍ غير مسبوق. فما زالت المدافعاتُ يتواجدنَ على الأرض ويوثقنَ الانتهاكاتِ وينظّمنَ التحركاتِ ويقُدْنها بالرغمِ من كلِّ التهديداتِ والمخاطرِ وحملاتِ التشهير.

وفي سياقِ تزايدِ انتهاكاتِ حقوق الإنسان الأساسية المُرتكَبةِ مع الإفلاتِ من العقاب في السودان، يدعو التحالفُ الإقليمي المجتمعَ الإقليمي والدولي للتضامنِ وتقديمِ الدعمِ الثابتِ للمدافعاتِ عن حقوقِ الإنسان مِنْ خلال:

-المطالبةِ بالإفراج ِالفوري عن جميعِ المدافعاتِ عن حقوقِ الإنسان وتأمينِ الخدماتِ الطبيةِ والنفسيةِ والقانونيةِ لهنَّ بشكلٍ عاجل.

-المطالبةِ بوقفِ استهدافِ المدافعاتِ عن حقوقِ الإنسانِ وتهديدهنَّ بكافةِ الأشكال.

-المطالبةِ بتحقيقاتٍ شفافةٍ وحياديةٍ في ما يتعلقُ بالتعذيبِ وسوءِ المُعاملةِ في المعتقلاتِ السودانية، إلى التحقيقِ في الوفياتِ خلال الاحتجاجات.

No Comments Yet

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اشتركي في نشرتنا