رسالة من مدافعة من العراق

العملُ في مجالِ حقوقِ الانسان يتطلبُ أساساً قوياً يستندُ الى الايمانِ العميق بقضايا  كل شعوبِ العالم، ولا يقتصرُ على ذلك بل يتعداه لمواجهةِ انتهاكاتٍ جسيمة تتعرضُ لها المتخصصاتُ والمهتماتُ في هذا المجالِ قد تهددُ حياتهن إلى مصادرة كافة حقوقهن وتقييد حرياتهن، لا سيما في المجتمعاتِ العربية، ومن ضمنِها العراق.

لايخفى أنَّ تداولَ مفهومِ “المدافعات عن حقوق الإنسان” حديثٌ في المجتمعِ العراقي. فالكثيرُ من الناسِ لا يعرفون مضمونه الايجابي وتتبادرُ الى أذهانهم كل الصفاتِ السلبية.

حدثتنا إحدى المدافعات عن تجربتها الشخصية لكونِها واجهت صعوبةً في إيصال المعنى العملي للمفهومِ لكثيرٍ من الناس، وغالباً ما كانَ يُفهَمُ بأنه نوعٌ من التمرد ِ أو العملِ غير اللائق بالنساء.

 

النظرةُ إليها؟

فكرةُ عملِ المرأة في المجتمع المدني تربِكُ الناس في أحيانٍ كثيرة وهي أكثر إرباكاً عندما تكونُ راصِدةً وموثقةً للانتهاكاتِ ويحوم حولها ثقلُ صورةٍ نمطيةٍ تُلصِق كل ما هو سلبي بالنساء.

نظرةُ المجتمعِ إلى المدافعاتِ عن حقوق الإنسان في الكثيرِ من الأحيان غيرُ مرَّحبٍ بها كونها مرتبطة بفكرةِ التحريضِ على العاداتِ والتقاليدِ والمطالبةِ بتحريرِ النساء الذي يشكلُ  خطورةً على هرمِ السلطةِ الذكورية في مجتمعاتنا، وهي تحملُ بين طياتِها العديد من التهكماتِ والاتهاماتِ وتؤثرُ على المدافعاتِ لكونها تعتبرُ قيداً وتحدُّ من إمكانيةِ التحركِ ومزاولةِ النشاطِ وقد تصلُ إلى حد التهديد وفقدان الحياة.

هذا فضلاً عن كونِ هذه النظرةِ لا تزالُ قاصرةً تجاهَ النساءِ بصورةٍ عامة وأكثر قصوراً تجاه المدافعةِ عن حقوقِ الإنسان وتؤدي إلى التأثيرِ الكبير والمباشرِ على عملها واستمراريته، مع ما يترتب عليه من ضغوطٍ عائليةٍ ومجتمعية وما يرافقها له من بثِ الشائعات حول سمعتها والطعنِ بأخلاقِها. ولا تقفُ الضغوطُ عند هذه الحد بل تتجاوزه في أحيانٍ أخرى، مما يؤدي بالمدافعاتِ الأخريات إلى اعتزالِ الدفاع عن حقوق الإنسان. وهذا لا ينفي الصعوبةَ البالغة التي تلاقيها في عملِها لانها تؤطَّر بصورةٍ المتمرِدة على كل ما هو أصيلٌ ومقَّدس ومحددٌ من قبل الإله والمجتمع.

 

القانوُن والمدافِعة بين العُرفِ الاجتماعي وضياعِ الحقوق

في المجتمعاتِ الشرقية غالباً ما يوجدُ التداخل في ما بين النظرةِ الاجتماعية المتمثلةِ بالعاداتِ والتقاليد، وكذلك العشائرية وسلوك الأجهزةِ الإدارية والقضائية. فالمتحكِّم ليسَ القوانين واللوائح الإدارية وانما العرفُ الاجتماعي.

هذا فضلاً عن كون القوانين لا تخلو من هذا العرفُ وتلك النظرة التي تؤسسُ وتهيئ بيئةً صالحة لزيادةِ الفجوة بين الرجال والنساء والحدِّ من عملِ النساء المدافعاتِ في المجتمع.

إنَّ أفرادَ الأجهزةِ القضائية والإدارية جزءٌ من أفرادِ المجتمع يحكمهُم نفسُ اللاوعي الجَمعي بما يتضمنُه من أفكارٍ وأحكامٍ مسبقة تشكلُ صورةً نمطيةً قائمةً على التمييز ضدَّ النساءِ بشكل عامٍ والمدافعاتٍ بشكل خاص. أضف كونَ الأمورِ القضائية والإدارية تسيرُ بمستوى بطيء جداً في ما يخصُ العملَ مع المدافِعة.

وبما أنَّ الأجهزةَ الإدارية والقضائية تمتثلُ لمنظومة القيمِ الذكورية، بالتزامنَ مع  ندرةِ وجودِ عنصرٍ نسوي فعال ومؤمنٍ بقضايا حقوق الإنسان بشكل عامٍ وحقوق النساء بشكل خاص ٍفي هذا السلك،  تنتشرُ صورةٌ سلبية عن عملِ المدافعات كونهن متطوعاتٍ يمثلن الأخريات في الكثيرِ من مفاصلِ الحياة، فتكونُ تحركاتُهن من دونِ أي سقفٍ قانوني؛ وعلية يكونُ التعاون بينهن والأجهزة الإدارية والقضائية شبهَ معدومٍ، وفي حالِ وجوده يكونُ مصحوباً بالنظرةِ السلبية التي تحملُ في طياتِها محاولةَ انتهاكِها واستغلالها. وكذلك توضعُ المدافعة تحت المراقبةِ المباشر والشديدة، ومما يؤسسُ لهذه العقبات عدم وجود قانون فعلي لحماية المدافعات.

وفي حالِ رأت الجهاتُ الرسمية أنَّ المدافعات يشكلنَ تهديداً، تستخدمُ مختلفَ أساليب القمعِ والاعتداء وحتى التشهيرِ بشتى الوسائل وبثِ الإشاعات، مما سيؤثرُ على الرأي العام ويعمل على إيجادِ حاجزٍ في ما بين المجتمع والمدافعات يقضي على أي تأييدٍ مجتمعي لهن او لقضاياهن.

 

أين تكمنُ حمايتها؟

لا تزالُ المنظومةُ القانونية الدولية قاصرةً وتفتقدُ لوجودِ آلياتٍ كافيةٍ لحمايةِ المدافعات وتكونُ أكثر إلزاماً للدول. كما تفتقدُ المنظومةُ التشريعية المحلية لضماناتٍ حقيقية لحماية المدافعاتِ بما يتفقُ مع الاعلانِ العالمي لحماية المدافعين والمدافعات، بالتزامن مع انتفاءِ وجود إجراءاتٍ إداريةٍ حازمة بشأن المنتهكين لحقوقِ المدافعةِ كتعديلِ قوانين أو سنِّ أخرى جديدة تتوافقُ مع المواثيقِ الدولية المصادّق عليها.

وعليه، فالمدافعاتُ بحاجة إلى الضغطِ على البرلمان العراقي لتبني مشروعِ قانون حمايةِ المدافعات بما يتفق مع الآليات الدولية.

  • توفيرِ حيزٍ من الحريةِ لقيامِ منظماتٍ وجمعياتٍ دولية لحمايةِ المدافعاتِ عن حقوقِ الإنسان تكونُ غيرَ مقيدةِ الصلاحيات.
  • إدراجِ القمعِ والعنف ضد المدافعات في التقاريرِ المحليةِ والدولية واعتبارِه من الانتهاكاتِ الجسيمة التي تتطلبُ التدخلَ الفوري والسريع.
  • إنشاء تجمعٍ دولي وعربي لتسليطِ الضوء على الانتهاكات ضد المدافعات والعمل على توفيرِ بيئةٍ مناسبة خاصةً في مناطقِ النزاع ومجتمعات ما بعد الأزمة.
Share

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.