” من المحتملِ أن يكونَ الوضعُ صارَ أكثر خطورةً بالنسبةِ إلى أي امرأةٍ في الصراع المسلح من أي جندي”

من المحتملِ أن يكونَ الوضعُ صارَ أكثر خطورةً بالنسبةِ إلى أي امرأةٍ  في الصراع المسلح من أي جندي”

(قائد قوات حفظ السلام سابقاً في شرق الكونغو، الميجر جنرال باتريك كامارت)

 

بعدَ ستِ سنوات على بدءِ الصراع، ووفق تقديراتٍ إحصائيةٍ، بلغَ عددُ القتلى نحو   400،000 وأُرغِمَ 11 مليوناً على مغادرة بيوتِهم. ذاك هو الواقعُ القاسي للحرب السورية، حربٌ خلَّفت أكبرَ أزمةٍ إنسانيةٍ منذ الحرب العالمية الثانية.

وكسائر نظيراتهن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كانت النساء في مُقدِمةِ الثورةِ السوريةِ عام 2011، إذ شاركنَ في تظاهرات ضد حكومة بشار الأسد. وما كانَ بدأ كمسيراتٍ سلمية تحولَ في غضونِ أشهر حرباً أهليةً شرسة. ومع ذلك، بقيت النساء والمدافعاتُ عن حقوق الإنسان يشاركن بفعالية في كل جوانب الصراع الدائر، إذ كنَ في الاحتجاجات ووثقنَ انتهاكاتِ حقوقِ الإنسانِ وانخرطنَ في مفاوضات السلام وأدرنَ المبادرات الاجتماعية.

 

مع انخراطِ الرجال بشكلٍ واسعٍ في القتال أو منعِهم من الخروجِ من مناطقِ النزاعِ، صارت غالبيةُ النازحين السوريين من النساءِ. غير أن الهروبَ من الحربِ لم يقِ هؤلاء من العنف والإذلال. ويستضيف كل من لبنان والأردن والعراق (باستثناء تركيا) الأعدادَ الأكبرَ من اللاجئين في الشرق الأوسط. ومع ذلك، ليسَ في أيٍ من تلك الدول الثلاث قوانينَ تنظِمُ وضع اللاجئين أو تحميهم، وهذه البلدان ليست موقعةً على إتفاقية الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين لعام 1951. ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى اللاجئين السوريين؟ في الواقع إن عدمَ وجودِ صفةٍ قانونيةٍ لهم يجعلهم عرضةً لعددٍ من الانتهاكات، بما في ذلك الاستغلال والإيذاء على الصعيد الجنسي، من دون قدرتهم على العودةِ إلى السلطاتِ المضيفةِ طلباً للحماية.

 

وتتحدث و.غ، وهي مدافعةُ سوريةٌ عن حقوق الإنسان تعملُ في منطقةِ البقاع في لبنان، إلى “التحالف الإقليمي للمدافعاتِ عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” عن وضع المُدافعاتِ عن حقوق الإنسان في مجتمع اللاجئين السوريين. وتقول من موقعِها كمدافعةٍ عن حقوقِ الإنسانِ، إن المنظمات غير الحكومية والمنظمات المجتمعية  في لبنان تملكُ فرصةً أكبرَ في ممارسةِ نشاطها بالمقارنةِ بسوريا. وتروي أن المجتمعَ المدني النشيط في لبنان شجعها على الإنخراط  في الدفاعِ عن حقوقِ الإنسان. وهي تطوعت وعملت مع منظمات دولية ومحلية وغير ذلك من الهيئاتِ التي لم تبخل عليها بالدعمِ أو بالمواردِ.

 

غير أن ذلك الدعم الذي أظهرته منظماتٌ عدة لم ينعكِس على صعيدِ السياساتِ وفي المواقفِ الاجتماعيةِ بشكل عام. فالقوالبُ النمطيةُ السلبيةُ بحق السوريين، وخاصةً النساء منهم، شائعةٌ ومتفشيةٌ في المجتمعِ اللبناني، وكذلك في إطارِ الخطاب السياسي. (يكفي أن تشاهِدَ أياً من خطاباتِ وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل المتعلقةِ باللاجئين السوريين).

 

وتتحدثُ و.غ عن إحساسٍ بالاستياءِ من اللاجئين السوريين في المجتمعِ المضيفِ لأسباب عدة بينها اللومُ الشائعُ لهم بأنهم سببُ ارتفاعِ معدلاتِ البطالةِ في البلاد لأن اليدَ العاملةَ في صفوفهم رخيصةٌ بالمقارنةِ بنظيرتِها اللبنانية. أضف أن بلدياتٍ فرضَت على اللاجئين السوريين منعَ تجولٍ “لأسباب أمنية”. وعلى صعيد شخصي، تُقِر و.غ بضعفِ التواصلِ بينها، كمدافعةِ عن حقوقِ الإنسانِ، والمجتمع اللبناني بشكلٍ عامٍ، فهي تشعِرُ بأن اللبنانيين لا يمكن أن يتقبلوا تحسِنَ معيشة السوريين فيما  يقبعون تحت وطأةِ تنامي البطالةِ في صفوفهم.

 

وبموجب أنظمةِ منحِ الإقامةِ الصادرةِ في كانون الثاني/يناير 2015 في لبنان، فإن اللاجئين السوريين الذين يتقدمون بطلباتٍ لتجديدِ تصاريح الإقامة ينقسمون إلى فئتين:  الأولى للمسجلين في مفوضيةِ الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والثانية لِمَن ليسوا كذلك وعليهم توفيرُ كفيلٍ لبناني ليُسمَحُ لهم بالإقامة في لبنان بشكلٍ قانوني. وتبلغُ كلفةُ تجديدِ الإقامةِ نحو 300 دولار أميركي، مئة منها لإصدار الوثائق و200 دولار للكفيل. وعلى الذين لم يستطيعوا تجديدَ تصاريحِ إقاماتِهم ولا يزالون يقيمون في لبنان، أن يدفعوا مبلغاً إضافياً قدرُه 200 دولار أميركي سنوياً كغرامةِ تأخير.

 

وباتَ وضعُ العديدِ من المُدافِعات عن حقوق الإنسان اللواتي صُرنَ لاجئاتٍ في لبنان، أكثرَ خطورةً، كما أن مساحةَ تنقلِهن أضحت ضيقةً سواء داخل محل إقامتهن أو خارجها. فهناك احتمالُ تعرضِهن للاعتقال بسبب انتهاءِ صلاحيةِ أوراقِهن الثبوتية مما يمثلُ عائقاً إضافياً أمام عملهن مع مجتمعات اللاجئين في لبنان، أو مع المنظماتِ اللبنانيةِ، كما قد يعيق نشاطَهن في مجالِ الدفاعِ عن حقوقِ الإنسانِ بشكلٍ عامٍ. ويتركُ الخوفُ من الاعتقالِ والأعمالِ الانتقاميةِ المُدافِعاتِ عن حقوقِ الإنسانِ عرضةً للإيذاءِ والاستغلال.

 

وعلاوةً على ذلك، وعلى خلفيةِ الصعوباتِ القانونية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المدافعاتِ السوريات عن حقوق الإنسان، صارَ  تأمينُ لقمةِ العيشِ والسلامةِ من الأولوياتِ لديهن. غالباً ما يعيقُ تأمينُ الاحتياجات الأساسية لأسرهن في الدول المضيفة لكونِ الناشطاتِ مُعيلاتٍ لذويهن، نشاطَ اللاجئات ودورَهن في الدفاعِ عن حقوق الإنسان أو يجعله أكثرُ صعوبةً.

 

ولا بُدَّ من ذكرِ أمرٍ آخرَ يُمثلُ عامِلَ ضغطٍ على المدافعاتِ عن حقوقِ الإنسانِ المقيماتِ في لبنان، إذ تردُنا تقاريرٌ من ناشطاتٍ سورياتٍ منخرطاتٍ في وضعِ المبادراتِ المتصلةِ بالوضعِ السوري عن قيودٍ على نشاطاتِهن. ذلك أنه لا يُسمحُ للاجئات السورياتِ المنخرطاتِ في الدفاع عن حقوق الإنسان والنساءِ المُدافعاتِ عن حقوقِ الإنسان أن يسجلن أنفسهن بشكل رسمي في إطارِ المنظماتِ غيرِ الحكوميةِ أو فتحِ حساباتٍ مصرفيةٍ. وينص القانون أيضاً على وجوبِ أن يكون كل أربعةٍ من خمسةٍ عاملين في أي منظمةٍ من اللبنانيين ليكون تسجيلًها ممكناً. وتلك الإجراءات تطرحُ خطراً على العديد من منظمي المجتمع السوري  والمُدافعات عن حقوقِ الإنسان. وفي المقابل ترى غبّاش أن “منظمةً سوريةً ناشطةً في مجالِ عمليةِ السلامِ وبناءِ السلامِ يجب أن يكون أعضاؤها جميعاً من السوريين لأنهم يفهمون ماذا يجري” في بلادهم. لكن القانون اللبناني يفرضُ قيوداً على نطاق عملِ الناشطاتِ السورياتِ داخل مجتمع اللجوءِ السوري. وبعض الناشطين السوريين يتوصلون إلى حلٍ لتسوية تلك القيود من خلالِ الشراكةِ مع منظمات غير حكومية لبنانية، أو  تسجيل عملهم تحت أسماء ناشطين لبنانيين. بيد أن هذا الأسلوب يحدُ من نفوذِهم الإداري والمالي.

 

وتوضحُ و.غ وهي تصفُ وضعَها بأن جيرانها والمحيطين بها ليسوا على علمٍ بدورِها كمدافعةٍ عن حقوقِ الإنسانِ تعمل مع النساء والفتيات المُعرَّضات لإنتهاكِ حقوقهن، ففي نظرهم هي مُدَّرسة لغة إنكليزية وليس أكثر. وعند سؤالها لماذا لا تذكرُ طبيعة عملها، تجيبُ بأن الأمرُ أفضل بالنسبة إليها على هذا النحو. وإذا كانت أسرةُ وئام تدعمُ عملًها في هذا الإطارِ بشدة، فإن الكثير من الناشطات المُدافعات عن حقوق الإنسان لا يلقين مثل هذا الدعم من أُسرِهن. ويُسَّهل إخفاء ناشطاتٍ طبيعةَ عملهن كمدافعاتٍ عن حقوقِ الإنسانِ عليهن القيام بدورهن في هذا الإطارِ من دون الحاجة إلى أخذ موافقةِ أسرهن أو مجتمعاتهن. فالوضع الهش للاجئين يُحدِثُ على الدوامِ جواً من الشعور بالخطر من ترحيلهم إلى سوريا، مما يدفع أُسرَ المدافعاتِ عن حقوقِ الإنسانِ إلى عدم النظرِ بعينِ الرضى إلى عملهن. وقد يكونُ من الأسباب الأخرى التي تستدعي رفضَ الأُسرَ عملَ المدافعاتِ عن حقوق الإنسان، شبحُ وصمةِ العارِ التي تطاردُ أي امرأةٍ تدافعُ بوضوحٍ عن حقوق الإنسان وتعملُ في المجالِ العام.

 

وسواءٌ في سوريا أم في الدول المجاورة إلى حيث لجأت الناشطاتُ فراراً من الحرب، تتعرضُ المدافعاتُ عن حقوقِ الإنسان غالباً لعنفٍ قائمٍ على أساسٍ جندري. وأوضاعُ العديد منهن في الدولِ المضيفةِ تتمحور حول كفاحِهن من أجل حقوق الإنسان الأساسية وتأمينِ سُبلِ العيش لأنفسهن ولأسرهن، كل ذلك مع مشاركتهن المستمرةِ في المبادرات المجتمعية.

Share

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*