من العمل على الأرض إلى الآليات الدولية الخاصة بالحفاظ على حقوق الإنسان

بقلم أمل المهندس- نظرة للدراسات النسوية

يتم انتهاك العديد من الحقوق بشتى الطرق حول العالم. وأحد الآليات التي تعمل منذ سنوات عديدة على الحفاظ هذه الحقوق، بل وإصدار قرارات وتدابير تعريفية بما هي حقوق الإنسان المتنوعة – سواء السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو المدني أو الثقافي منها –  هي الآليات الدولية. تصدر الآليات الدولية العديد من القرارات التي تستخدم كمرجع للحد الأدنى لحقوق الإنسان وكيفية تحقيقها، وتنظم العديد من الفعاليات على مدار العام بشكل مستدام لمناقشة الانتهاكات المتنوعة التي تحدث بحق الأناس في شعوب مختلفة، ومن بينهم المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان.

وتحكم مدى فاعلية تلك الآليات الدولية عوامل عديدة، منها الإرادة السياسية المخلصة لتحقيق تلك الحقوق والإلتزام بها، حيث أنه بالرغم من تصديق دول عديدة على الكثير من تلك القرارات والعهود والمواثيق، إلا أن الكثير من الدول تشهد انتهاكات صارخة لها من قِبل فاعلي الدولة وغير فاعليها. ولكن السؤال الحقيقي هو، أو بالأحرى الأسئلة التي تتبادر إلى الأذهان هنا هي: كيف يمكن للمجموعات الفاعلة على الأرض العمل على الإلتزام بتلك القرارات وغيرها؛ ما أهمية الضغط من أجلها؛ وما مدى أهمية ضمان إدماج منظور النوع الاجتماعي بها؟

إن المدافعات عن حقوق الإنسان حول العام ينشطن من خلال آليّات وفعالياّت مختلفة للدفاع عن يعملن من أجل ترسيخها في مجتمعاتهن. ولكن من هن المدافعات عن حقوق الإنسان؟ تُعرف نظرة للدراسات النسوية المدافعات عن حقوق الإنسان كالآتي: المدافعات عن حقوق الإنسان هن نساء (فرادى أو ممثلات لمجموعات ومنظمات متنوعة) يدافعن عن نطاق واسع من الحقوق ويحترمن حق الناس في حياة كريمة وخالية من الانتهاكات أو التهديدات، ويعتمدن آليات وأدوات متنوعة في دفاعهن عن الحقوق التي تتبناها. هن أيضاً لا يقمن بالتحريض ضد مجموعات ولا يلجأن لإستخدام العنف ضد أي شخص أو مؤسسة ما بأي شكل من الأشكال، ولديهن خطاب واضح في نوعية العمل الذي يقمن به وحيال الحقوق التي يدافعن عنها، ويتشاركن مع الفاعلات في الحركة النسوية الحد الأدنى من القيم التي تحكم ضرورة تكافؤ الفرص للنساء في جميع المجالات، وعدم التمييز ضد النساء، كما أنهن يسعين للعمل على إستمرارية الحراك النسوي وتعزيز تواجدهن في المجال العام [1].

ويعمل برنامج المدافعات عن حقوق الإنسان بنظرة للدراسات النسوية على نشر ثقافة المدافعات عن حقوق الإنسان كمشاركات أصيلات في بناء الحركة النسوية محلياً وإقليمياً، وكونهن حليفات للحراك النسوي العام، ونشر الوعي عن العمل الذي يقمن به، والسعي للإعتراف بوجودهن ودورهن الفعال في الدفاع عن حقوق الإنسان بآلّيات وأشكال مختلفة، وتوفير الدعم اللازم لهن والعمل على الضغط من أجل سن سياسات وقوانين تعمل على الإعتراف بهن وحمايتهن وتوفير الدعم اللازم لهن في كل من النطاق المحلي والإقليمي والدولي [2]. وتتنوع الأنشطة التي يقمن بها المدافعات عن حقوق الإنسان، فمنهن من تعمل على الأرض مع مجتمعاتهن من خلال حملات محلية لنشر ثقافة إحترام الحقوق المختلفة، وأخريات يقمن بتوفير أشكال مختلفة من الدعم للناجيات من جرائم العنف الجنسي على سبيل المثال، ومن يقمن بالإشتباك المباشر مع المنتديات والآليات الدولية، سواء الأمم المتحدة أو اللجنة الأفريقية  لحقوق الإنسان والشعوب لسن القرارات والعهود والتي يجلبن لها السياقات المختلفة للمجتمعات التي يعملن عليها.

تقوم نظرة للدراسات النسوية بتوثيق جرائم العنف الجنسي في المجال العام والانتهاكات التي تتعرض لها المدافعات عن حقوق الإنسان سواء بشكل مباشر، أو من خلال شراكتها وعلاقتها الوطيدة بمبادرات نسوية تعمل على الأرض في محافظات مختلفة بمصر. ويكمن التحدي دائما في ترجمة طبيعة تلك الانتهاكات إلى لغّة تتناسب مع تلك التي يتم استخدامها في آليات المناصرة الدولية دون أن يتم اختزال السياق التي تقع به تلك الجرائم، وضمان إيصال الصوت الحقيقي لمن يتم انتهاكهن. سواء كان من خلال إرسال نداءات عاجلة لشركائنا الدوليين، أو المقرّرين الخاصين للأمم المتحدة، أو تقديم التدخلات الشفاهية والكتابية من خلال شركائنا أو بالتعاون معهم. نعلم جيدا أن النتائج لا تكون فورية، وأن العمل من خلال تلك الآليات يتطلب النفس الطويل والضغط المستمر. وبالرغم من الإحباطات التي تصيبنا كثيرا نظرا للبيروقراطية المعهودة لتلك الآليات، إلا أن ما يثلج صدرنا هو التوازن المتواضع الذي نعمل جاهدات على تحقيقه بين الإشتباك المباشر على الأرض، والتفاعل المستمر مع الآليات الدولية وأنشطتها.

والقيمة الحقيقية التي تعلّمناها من خلال إشتباكاتنا المتنوعة هي أهمية التضامن النسوي الذي يتغلل تلك العمليات… فما أعظم الإحساس بالطمأنينة والمؤازرة التي تتبادلها أخوات الحركة النسوية مع بعضهن البعض، وتشجيع بعضهن البعض بالاستمرار بالرغم من العراقيل والإخفاقات التي تحدث، والإحتفال سوياً بالإنتصارات الصغيرة التي تتحقق، سواء من خلال سَنّ قوانين أو إسترتيجيات محددة متعلقة بقضايا نعمل عليها سوياً، أو وقف الظلم الذي يقع على العديد من المدافعات عن حقوق الإنسان. سواء كان من خلال إطلاق بيانات مشتركة، أو تبادل رسائل رقيقة وأحضان إفتراضية تُقرب المسافات وآلاف الكيلومترات بين الدول المختلفة، فهي تعمل على إعادة شحن الطاقة الضرورية من أجل الإستمرار في الدفاع عن تلك الحقوق.

ويعمل التضامن النسوي الحقيقي يداً بيد مع ضرورة إدماج منظور النوع الاجتماعي في الدفاع عن تلك الحقوق. فهو ليس سراً أن الآليات الدولية، مثلها مثل أية تدابير أخرى تحتاج إلى “النزناز” المستمر ليذكر القائمين عليها باختلال علاقات القوى بين النساء والرجال في العالم بأجمع، وفي أغلب السياسات التي تحكم دول كثيرة. ويعد ذلك ضروري ليس فقط على المستوى التقني، وإنما أيضاً على مستوى التضامن المشار إليه، فالتضامن يأتي معه المسؤولية المتعلقة ليس فقط بضمان حماية المدافعات عن حقوق الإنسان والناجيات التي نعمل معهن، ولكن أيضاً إستمرارية جلب رؤيتنا النسوية المشتركة والعابرة للثقافات والمسافات لضمان العدل الحقيقي الذي نحلم كلنا به.

 

[1]  نظرة للدراسات النسوية nazra.org

[2]  نفس المصدر السابق

 

 

 

Share

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*