المدافعات عن حقوق الإنسان: من هن وأين يعملن؟

في فبراير/شباط  ٢٠١٥ أعلنّا رسمياً انطلاق التحالف الإقليمي للمدافعات عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال افريقيا بعد حوالي سنتين من الإعداد. أتى إنطلاقنا على الرغم من التحديات الأمنيَة وصعوبات التنقل والسفر للكثير من المدافعات، وبالرغم من اختلاف المنهج والخطاب الذي تتَبعه المدافعات كأفراد ومنظمات تُعنى بحقوق الإنسان وبالرغم من تنوّع الآراء السياسيّة والتجارب والخبرات ما بيننا.

حسب الإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان، إن المدافعات والمدافعين عن حقوق الانسان هم الذين يعملون “من أجل تعزيز أو حماية حقوق الإنسان.” وتُعرّف المدافعات تحديداً، حسب الحملة الدولية للمدافعات عن حقوق الإنسان بأنهن الناشطات اللواتي يتم استهدافهن بسبب نشاطهن، وهن أيضاً اللواتي يعملن على حقوق المرأة ممّا يعرضهن أيضاً للإستهداف. وحسب ورقة موقف “نظرة للدراسات النسوية” الرغم من التشابه أحياناً بين عمل المدافعات النساء والمدافعين الرجال، وبالرغم من أنهم جميعاً يتعرضون للإنتهاكات، لكن في مجتمع أبوي هرمي، فإن تحديات المدافعات النساء مرتبطة بكونهن نساء، فيكون نوع الإنتهاكات جنسي في الكثير من الأحيان، مثلاً من خلال التحرش الجنسي أو التهديد بالعنف الجنسي. بمعنى آخر، إن المدافعات عن حقوق الإنسان هن النساء اللواتي يعملن في المجال العام، اللواتي يمثَلن قضايا حقوق الانسان ويدافعن عنها، كصحفيات أو حقوقيات او معلمات أو طبيبات أو عاملات أو ناشطات في السياسة.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تختلف تجارب النساء في الدفاع عن حقوق الانسان وفي أنواع التحديات والانتهاكات حسب البلد، لكن العنف والضغوطات والقمع تجمعنا أيضاً، فجميع الدول والمجتمعات التي ننتمي إليها تعاني من عدم مساواة صارخ في تواجد النساء في الحياة السياسية والحيّز العام ومن الضغط العائلي والإجتماعي بسبب إنخراطنا  في الدفاع عن حقوق الانسان. وتمرّ العديد من الدول في المنطقة بحروب  وتشهد  نزاعات عسكريّة وعدم استقرار إقتصادي وقمع سياسي كما تعيش العديد من دول تنامي ظاهرة الجماعات المتطرفة وازدياد تضييق الأنظمة الحاكمة للحريّات.

.استراتيجيّاً، رأينا أن نقسم عملنا وتواجدنا في التحالف الى ثلاث أقاليم شبه مستقلَة: شمال افريقيا وبلاد الشام والخليج، فنعكس خصوصيّة الأوضاع السياسيَة والتاريخيَة ونسهّل التواصل والعمل، ولكن الأقاليم مترابطة بترابطنا (وترابط بنيَتنا في العمل) وبتشابه الكثير من التحديَات والانتهاكات. ففي الأقاليم الثلاثة، بالاضافة الى التشابه في المضايقات القضائية من خلال الأحكام بالسجن والمنع من السفر، والعنف الجنسي والجسدي والإغتيال، إن إحدى الوسائل التي تتّبعها الجهات الحكومية والغير حكومية هي التشهير الإعلامي، كما حصل لناشطات في اليمن والأردن والبحرين  وغيرهم.

إفتُتِح عام ٢٠١٥ في مصر مع مقتل الناشطة في حزب التحالف الشعبي الإشتراكي شيماء الصباغ أثناء إحياء الذكرى الرابعة لثورة ٢٥ يناير، حيث قامت الشرطة المصرية بإطلاق الخرطوش والقنابل لفضّ التجمّع، وحسب الحزب، فقد رفضت الشرطة أيضاً جلب الإسعاف لها. وبالرغم من الإفراج عن عدد من المدافعات والمدافعين عن حقوق الانسان في سبتمبر/أيلول ٢٠١٥ من بينهم يارا سلام و سناء سيف، تبقى خطوة ناقصة، إذ لا يزال الكثير من النشطاء في السجن، مثل ماهينور المصري، او في المنفى، بسبب أحكام غيابيّة تعسفيّة ضدهم. ولا تزال مدافعات مثل إسراء عبد الفتاح ممنوعات من السفر لأسباب سيّاسيّة. وهذه الحالات تختصر الإنتهاكات القضائيّة/القانونيّة والعنف من قبل الدولة ضد الناشطات المصريات.

في ليبيا، تواجه المدافعات الأخطارالأمنيّة والإعتقال والإقصاء من المشاركة السياسيّة المتساوية، كذلك قُتِلت الناشطة انتصار الحصائري ٢٠١٥ مع قريبة لها، كما إغتيلت سلوى بوقعيقيص في مدينة بنغازي في ٢٠١٤ في محاولة لإسكات المدافعات والمدافعيين عن حقوق الانسان. فيما تستمر المدافعات في المطالبة والعمل على بناء السلام وحماية حقوق الإنسان ومشاركة النساء في القرارات ووقف العنف والتمييز ضدهن. في تونس وثّقت الجمعيّة النسوية التونسيّة “شوف” الإعتداء على عضوتين من الجمعيّة تعرضتا لها بسبب ميولهما الجنسية. ويتم الإعتداء اللفظي والجسدي على المدافعات اللواتي يتكلمن عن الجنسانيّة، وخصوصاً المثليّة الجنسيّة. وقد زادت حالة الطوارىء التي أعلنها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بموافقة البرلمان من قلق المدافعين والمدافعات عن حقوق الانسان لأنها تسمح بالتضييق على حريّة التعبير. أمّا في الجزائر، تطالب المدافعات عن حقوق الإنسان من مجلس الأمّة التصديق على قانون حماية المرأة من العنف بالرغم من شوائبه، كما يعترض المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان على قانون الجمعيات الجديد الذي وُضِع في٢٠١٢والذي يضيّق على عمل الجمعيات، خصوصاً تلك التي تراها السلطات بأنها لا تتّفق مع “الثوابت والقيم الوطنيّة والآداب العامّة”.

إنتقالاً الى إقليم بلاد الشام، في سوريا يؤثرالقمع والعنف السياسيان والعسكريان من قبل نظام بشار الأسد والجماعات المسلَحة وتنظيم الدولة الاسلاميّة (داعش) على عمل النساء كمدافعات عن حقوق الإنسان، كما يؤثر النظام الأبوي على وجودهن في الأماكن العامة وانخراطهن في العمل السياسي—وهذا شيء نجده في الكثير من الدول التي تتواجد فيها المدافعات في هذه المنطقة. وتواجه المدافعات عن حقوق الإنسان في سوريا تحديات بدءاً من الوضع الأمني الى المنع من السفر- كما حصل مع رزان زيتونة ورفاقها، والسجن والتعذيب والإعتداء الجنسي، كما حصل مع هديل الكوكي. ورغم ذلك تتابع النساء عملهن في بناء السلام والتمكين السياسي والاقتصادي والإجتماعي وتوثيق الإنتهاكات والتكلّم عن ما يتعرضن له من عنف. كذلك تتابع المدافعات عن حقوق الإنسان السوريات عملهن كلاجئات في بيئات مستضيفة غير مرحّبة إجتماعيّاً وتمارس سياسات تمييز قانوني ضدّ اللاجئيين. وفي لبنان، في صيف ٢٠١٥ واجه الناشطات والناشطين  في حراك “طلعت ريحتكم” الذي يحتج على أزمة النفايات قمعاً عنيفاً من قِبل قوات الأمن الذي اعتدى عليهم بالضرب والغاز المسيَل للدموع وخراطيم المياه والإعتقال. وبعد توثيق ونشر حالات من التحرش الجنسي تعرضت له بعض المتظاهرات، قامت حملة من الإستهزاء والإنكار ضدهن. وقد تعرضت الإعلاميات والإعلاميين الذين كانوا بنقلون أخبار الحراك في بيروت الى الضرب من قبل قوى الأمن. أمّا المهاجرات العاملات في البيوت في لبنان فما زلن يكافحن من أجل حقوق الحماية من الإستغلال والعنف الإقتصادي واللفظي والجسدي والجنسي خصوصاً من خلال نقابة يرفض وزير العمل اللبناني الإعتراف بها.whrd-1

في العراق أعدمت منظمة داعش الناشطة العراقية سميرة النعيمي في الموصل بعد انتقادها لتدمير المعالم الدينيَة والثقافيَة في  ٢٠١٤، في سلسلة إستهداف لناشطات وسياسيات. وتكافح المدافعات العراقيات في وسط الحالة الأمنية والسياسيّة وقمع الأقليات الطائفيّة من قبل الحكومة والتضييق على المجتمع المدني، وعدم السماح للمدافعات بفتح ملاجىء لضحايا النزاعات وتعديل للدستور يطيح بمكتسبات النساء القانونيّة، الى الإبادات الجماعية التي يمارسها تنظيم داعش على الأقليات اليزيديّة والمسيحيّة وغيرها، وإعدامهم لأكثر من مئة من النساء والإستعباد والعنف الجنسي للنساء اليزيديات والأقليات. لكن لا تزال النساء تتظاهر ضد الفساد والفقر والحرب والعنف والتمييز.

في الخليج يستمر تغييب المجتمع المدني بالإضافة الى الضغط العائلي والاجتماعي على النساء عموماً وعلى المدافعات عن حقوق الانسان خصوصاً (وهي ضغوطات تتشاركها معظم المدافعات في ااشرق الأوسط وشمال افريقيا). وتضيّق القيود العائليّة والإجتماعيّة والقانونيّة من حريّة الدفاع عن حقوق الانسان، لذا يتابع الناشطين/ات رصدهم للإنتهاكات على أماكن التواصل الاجتماعي، وقد أصبح نقد الأنظمة
على هذه المواقع سبباً لدخول السجن، كما يحصل في البحرين مثلاً. ويستمر قمع المتظاهرات والمتظاهرين في البحرين، خصوصاً من خلال المحاكمات والسجن والتعذيب والإعدام. وفي السعوديّة بالرغم من دخول النساء الانتخابات لأوّل مرّة وفوزهن ب١٧ مقعداّ في المجالس البلديّة، كان هناك الكثير من الضوابطعليهن مثل عدم السماح لهن بالتكلّم مع الرجال وتهديدهن بالغرامات الماليّة إذا اختلطن مع الناخبين ومُنِعت المرشّحات من تعليق صورهن أيضاً. كما إنسحبت بعض النساء بسبب ضغط رجال الدين واستُبعِدت نسيمة السادة ولجين هذلول من قائمة المرشّحات، وكانت الأخيرة قد دخلت السجن سابقاُ بسبب قيادتها واعتراضها على عدم السماح للنساء بالقيادة. أمّا في عمان، فقد دانت مؤسسة “مراسلون بلا حدود” اعتقالات المدوّنين المدافعين عن حقوق الانسان والعقوبات الشديدة بحقّهم.

إنطلق تحالف المدافعات عن حقوق الانسان رسميّاً في ٢٠١٥ كتجربة في العمل التحالفي المنظّم، إذ قسّمنا عملنا الى عدّة لجنات من ضمنها اللجنة التنفيذية والإستشاريات من المنطقة. وتتولّى صوت النسوة من لبنان حاليّاً مسؤوليّة الإستضافة والتنسيق  بين الأربعة عشر مشاركة في هذا الكيان العابر للأجيال والبلدان وأنواع النضالات. ورغم خصوصية البلدان والأقاليم، نجد الكثير من التشابه في أنماط وأساليب الاعتداءات على المدافعات عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، مما يزيد إقتناعنا بالحاجة الى هذا التحالف من أجل منهجة التضامن والعمل المشترك بين المدافعات في هذه المنطقة .

 

 

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*